الكاتب : العميد الركن نضال زهوي – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين/مدير مركز الدراسات الإنتروستراتيجي
المقدمة :
لا تقتصر آثار الصراع العربي الإسلامي مع الكيان الإسرائيلي على الميدان العسكري والسياسي والاقتصادي، بل تمتد إلى المجال الإدراكي الذي تتشكل داخله صورة الخصم، وتُحدَّد مكانته، وتُفسَّر أفعاله، وتُبنى التوقعات بشأن مستقبله. ففي هذا المجال، لا تتحدد المواقف بالتصريحات المعلنة وحدها، وإنما تتأثر أيضاً بأنماط المتابعة الإعلامية، وطبيعة الاهتمام الشعبي، واللغة المستخدمة في توصيف الأحداث، والمرجعيات التي يعتمدها الجمهور في تفسير التحولات الإقليمية.
من هنا، تبرز مسألة تستحق النقاش: كيف يمكن لشارع عربي وإسلامي يرفض الاعتراف بالكيان الإسرائيلي، ويعتبره كياناً احتلالياً، أن يتابع انتخاباته باهتمام بالغ، ويتحمس أحياناً لنتائج أحزابه، ويعلّق آمالاً على صعود كتلة أو تراجع أخرى، أو على فوز شخصية سياسية وخسارة أخرى؟ وهل يتناقض هذا السلوك بالضرورة مع الموقف المعلن، أم أنه قد ينتج أثراً إدراكياً يتجاوز النوايا التي تقف وراءه؟
لا يتعلق السؤال هنا بحق الفلسطينيين في التعبير عن مصالحهم، ولا بالخيارات السياسية التي يفرضها واقعهم المعقد، وخصوصاً الفلسطينيين من عرب 1948 الذين يعيشون داخل النظام السياسي للكيان ويتعاملون مع مؤسساته باعتبارها جزءاً من واقعهم اليومي. إن موضوع البحث مختلف؛ فهو يتناول سلوك الشارع العربي والإسلامي المعادي للكيان، حين ينتقل من متابعة الانتخابات لفهم سياسات الخصم إلى التفاعل معها بوصفها حدثاً يحدد مستقبل المنطقة، وربما يفتح أبواب الأمل أو يغلقها.
من هنا فإن المتابعة مع الحماسة تسهم في إنتاج شكل من أشكال الاعتراف الإدراكي غير المقصود؛ أي أن يرفض الجمهور شرعية الكيان على المستوى السياسي والأخلاقي، لكنه يعيد، من خلال ممارساته وخطابه، تثبيت حضوره بوصفه طرفاً طبيعياً ومركزياً في المعادلة الإقليمية. ولا يعني ذلك أن كل متابعة للانتخابات تطبيع، أو أن تحليل النظام السياسي للخصم يمنحه شرعية تلقائية. إن المسألة تتعلق بطبيعة المتابعة ووظيفتها، وبالحد الفاصل بين فهم الخصم والتسليم بمرجعيته.
أولاً: من رفض الشرعية إلى الاعتياد الإدراكي
يُعدّ الاعتراف السياسي والقانوني مفهوماً مختلفاً عن الاعتراف الإدراكي. فالأول يرتبط بالمواقف الرسمية والعلاقات الدبلوماسية والإجراءات القانونية، بينما يتعلق الثاني بالمكانة التي يحتلها طرف ما في الوعي، وبمدى حضوره في تشكيل التصورات والتوقعات، وبالافتراضات التي تحكم التعامل معه.
قد يرفض الفرد أو المجتمع الاعتراف بشرعية كيان سياسي، لكنه يضطر إلى متابعة سياساته وتحليل مؤسساته وفهم موازين القوى داخله. وهذا أمر طبيعي في الصراعات؛ إذ لا يمكن إدارة مواجهة استراتيجية من دون معرفة الخصم، ولا يمكن تقدير اتجاهات التصعيد من دون دراسة قراراته ومؤسساته ومصادر قوته وضعفه. لكن المشكلة تبدأ حين يتجاوز هذا الاهتمام حدوده التحليلية، ويتحول إلى اعتياد إدراكي يجعل وجود الخصم ومؤسساته أمراً مسلّماً به، لا بوصفه واقعاً ينبغي فهمه، بل باعتباره مرجعية طبيعية تُقاس من خلالها احتمالات المستقبل.
فثمة فرق بين أن نتابع الانتخابات لمعرفة ما قد تعنيه نتائجها للعمليات العسكرية أو لسياسات الحرب والاحتلال، وبين أن ننتظرها بحماسة وكأنها استحقاق سياسي يملك وحده القدرة على تحديد مستقبل المنطقة. في الحالة الأولى، يكون الخصم موضوعاً للتحليل؛ أما في الثانية، فقد يصبح النظام السياسي للخصم إطاراً مرجعياً للتفكير في المستقبل.
وهنا تتضح المفارقة: قد يبقى الرفض السياسي للكيان ثابتاً في الخطاب، فيما يتغير موقعه في البنية الإدراكية للجمهور. فلا يعود مجرد طرف في صراع، بل يتحول تدريجياً إلى مركز تتجه إليه الأنظار، وتُبنى على خياراته التوقعات، وتُقاس وفق تحوّلاته احتمالات الاستقرار والتصعيد. إن هذا الاعتياد لا يساوي الاعتراف القانوني، لكنه قد يهيئ بيئة إدراكية يصبح فيها حضور الكيان أكثر طبيعية في الخطاب العام، حتى لدى من يرفضونه.
ثانياً: الانتخابات بوصفها مركزاً لتفسير مستقبل المنطقة
تتمتع الانتخابات بأهمية سياسية فعلية، لأنها قد تؤدي إلى تغيير الحكومات، وإعادة توزيع النفوذ بين الأحزاب، وتعديل بعض السياسات الداخلية والخارجية. وفي حالة الكيان الإسرائيلي، يمكن أن تكون نتائجها ذات أثر مباشر أو غير مباشر في الحرب على الفلسطينيين، والعدوان على لبنان، والسياسات تجاه إيران، والعلاقات مع الولايات المتحدة، ومستقبل التوترات الإقليمية.
لذلك، لا يمكن اعتبار متابعة الانتخابات أمراً غير مبرر في ذاته. فالمعرفة الدقيقة باتجاهات المجتمع السياسي للخصم تساعد على فهم خياراته، وتحديد احتمالات التصعيد، واختبار مدى استمرارية سياساته أو قابليتها للتغيير. غير أن الإشكالية تظهر في الطريقة التي يُقدَّم بها الحدث ويُستقبل. فعندما تتحول الانتخابات إلى مناسبة تتعلق بها الآمال الشعبية، وتُعلَّق على نتائجها توقعات واسعة بشأن مستقبل فلسطين والمنطقة، قد يتراجع الاهتمام بالعوامل الأعمق التي تحكم سلوك الكيان، مثل العقيدة الأمنية، وموازين القوى العسكرية، وطبيعة الدعم الخارجي، وبنية المصالح السياسية والاقتصادية.
ويصبح السؤال عندئذ: من سيفوز؟ ومن سيخسر؟ وهل ستتمكن هذه الكتلة من إسقاط تلك الحكومة؟ وهل ستؤدي هذه النتيجة إلى تغيير السياسات؟
هذه أسئلة مشروعة في التحليل السياسي، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير مسار الصراع. فقد تتغير الحكومات من دون أن تتغير الأهداف الاستراتيجية الأساسية، وقد تختلف الأحزاب في وسائل تحقيق أهدافها أكثر مما تختلف في تلك الأهداف نفسها. كما أن أثر الانتخابات يظل مرتبطاً بالقيود المؤسسية والضغوط الخارجية وموازين القوى والوقائع الميدانية.
وعندما تُختزل هذه العوامل في نتيجة انتخابية، لا يكون الخلل في متابعة الانتخابات، بل في منحها وزناً تفسيرياً يتجاوز قدرتها الفعلية على تغيير مسار الصراع. وبذلك، قد تتحول الانتخابات من مصدر للمعلومات عن الخصم إلى مرجعية تحدد المزاج العام وتوقعاته، فيصبح الجمهور في حالة ترقب لما سيقرره النظام السياسي للكيان، بدلاً من أن ينطلق في تقديراته من مصالحه وأهدافه ومصادر قوته وقدرته على التأثير في مسار المواجهة.

