Dala Center logo
مركز دالة لتحليل السياسات والاستشاراتDala Center for Policy Analysis and Consultations مركز تفكير مستقل Independent Think Tank

حرية التعبير ليست تهديداً للدولة: رؤية دستوري وقانونية لبيان الحكومة العراقية”

الكاتب : الدكتور ماجد الشويلي

إن البيان الصادر عن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي في 19 تشرين الأول 2026، بشأن ملاحقة ما وصفه بالتحريض الإعلامي وعرقلة قرارات الدولة المتعلقة بحصر السلاح، يثير إشكاليات دستورية وقانونية وديمقراطية جدية، لا تتعلق بمبدأ تطبيق القانون أو حق الدولة في احتكار السلاح، بل بحدود السلطة في التعامل مع الرأي المعارض والنقد الإعلامي.

فلا خلاف على حق الدولة في مواجهة العنف والإرهاب والتحريض الحقيقي على الاقتتال، لكن رفض العنف لا يعني القبول بتوسيع التجريم ليشمل الاعتراض السياسي، أو تحويل قرارات الحكومة إلى خطوط حمراء لا يجوز للإعلام والمواطنين تجاوزها بالنقد والمساءلة.

أولاً: الدستور العراقي لا يمنح الحكومة سلطة تقييد الحرية بلا حدود

تنص المادة (38) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 على ضمان حرية التعبير عن الرأي وحرية الصحافة والإعلام والنشر، فيما تقضي المادة (46) بأن تقييد الحقوق والحريات لا يكون إلا بقانون أو بناءً عليه، وبما لا يمس جوهر الحق أو الحرية.

وهذا يعني أن حرية التعبير ليست منحة حكومية، بل حق دستوري يقيد السلطة التنفيذية نفسها. كما أن الإشارة إلى النظام العام لا تمنح الحكومة تفويضاً مفتوحاً لتحديد الآراء المقبولة، أو تجريم الخطاب الذي يعارض سياساتها.

فثمة فرق جوهري بين التحريض الفعلي على العنف المسلح وبين انتقاد قرار حكومي، أو التشكيك في جدواه، أو التحذير من تداعياته، أو المطالبة بتعديله. وهذه الأخيرة صور من النقاش السياسي المشروع الذي تقوم عليه الديمقراطية، ما لم تتضمن أفعالاً أو أقوالاً تتوافر فيها عناصر جريمة محددة قانوناً.

ثانياً: لا يجوز توسيع نطاق قانون مكافحة الإرهاب لتجريم المعارضة

استند البيان إلى قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005، ولا سيما المادتين (2) و(4)، وإلى المادة (195) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969، المتعلقة بالتحريض على الحرب الأهلية أو الاقتتال الطائفي.

غير أن الاستناد إلى هذه النصوص لا يعفي من ضرورة تفسيرها ضمن حدودها القانونية، وإثبات انطباق عناصر الجريمة على الوقائع المحددة. فالمسؤولية عن التحريض على جريمة إرهابية لا تعني أن كل خطاب معارض أو انتقاد لسياسة أمنية يمكن اعتباره تحريضاً إرهابياً.

كذلك، فإن المادة (195) تتعلق بأفعال تستهدف إثارة الحرب الأهلية أو الاقتتال الطائفي وفق شروط النص، ولا يجوز تحويلها إلى أساس عام لملاحقة من يعترض سلمياً على سياسات الدولة.

أما عبارة (عرقلة قرارات الدولة) الواردة في البيان، فتحتاج إلى تحديد دقيق؛ لأن الاعتراض السياسي والإعلامي، والمطالبة بمراجعة القرارات، والاحتجاج السلمي، تختلف قانونياً عن استخدام القوة أو التهديد أو ارتكاب فعل مجرّم لمنع تنفيذ القانون.

إن إشكالية المنهج الوارد في البيان تكمن في الجمع بين مفاهيم واسعة مثل (التحريض الإعلامي) و(عرقلة قرارات الدولة) وبين قوانين ذات عقوبات شديدة، من دون توضيح كافٍ للحدود الفاصلة بين التعبير المشروع والسلوك الجرمي. فالتوصيف الحكومي لا يحل محل الإثبات القضائي، ولا يجوز أن يصبح الاختلاف مع السلطة قرينة على ارتكاب جريمة.

ثالثاً: المسؤولية عن النشر لا تعني تجريم ما يُنشر لمجرد مخالفته للحكومة

أشار البيان أيضاً إلى المواد (81 و82 و83) من قانون العقوبات العراقي بشأن المسؤولية المرتبطة بجرائم النشر.

لكن هذه النصوص لا تجعل كل مادة إعلامية جريمة، ولا تنشئ مسؤولية جنائية لمجرد نشر رأي معارض. فالمساءلة تقتضي أولاً وجود فعل مجرّم وفق القانون، ثم تحديد المسؤولية عنه بحسب طبيعة الفعل وأحكام النص المنطبق.

ومن ثم، فإن مساءلة الصحفي أو المحرر أو الناشر يجب ألا تتحول إلى وسيلة لإخضاع الإعلام للسياسة الحكومية، أو دفعه إلى الرقابة الذاتية خوفاً من الملاحقة، خصوصاً عند تناول الملفات الأمنية والسياسية الحساسة.

إن الإعلام الحر ليس خصماً للدولة، بل إحدى أدوات الرقابة على السلطة وكشف أخطائها، ولا يمكن مطالبة الصحافة بممارسة دورها الرقابي ثم تخويفها عندما تمارس هذا الدور في موضوعات لا ترغب الحكومة في مناقشتها.

رابعاً: المعايير الدولية ترفض القيود الفضفاضة على حرية التعبير

تكفل المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية الرأي والتعبير، وتجيز فرض قيود محددة عليها، شريطة أن تكون مقررة قانوناً وضرورية لحماية غاية مشروعة، مثل الأمن القومي أو النظام العام.

وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في التعليق العام رقم (34)، ضرورة التزام القيود بمبدأي الضرورة والتناسب، وألا تتجاوز ما تقتضيه حماية المصلحة المشروعة.

كما تنص المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على الحق في حرية الرأي والتعبير، في حين يؤكد ميثاق الأمم المتحدة التزام المنظمة بتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

ويعني ذلك أن مجرد إعلان الحكومة أن إجراءً ما يستهدف حماية الأمن لا يكفي لإثبات مشروعيته؛ بل ينبغي النظر إلى طبيعة الخطاب المستهدف، والخطر الذي يُدعى أنه يشكله، ومدى ضرورة الملاحقة وتناسبها.

وتؤكد التجارب الديمقراطية، ومنها اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن حرية التعبير تشمل الآراء التي تصدم أو تزعج أو تقلق السلطة والمجتمع، لا الآراء المقبولة وحدها. ورغم أن أحكام المحكمة الأوروبية لا تلزم العراق مباشرة، فإن هذا المبدأ يمثل مرجعاً مهماً في فهم وظيفة حرية التعبير داخل الأنظمة الديمقراطية.

خامساً: الأمن لا يتحقق بإسكات الاعتراض

إن السلم الأهلي لا يعني غياب المواجهة المسلحة فحسب، بل يتطلب أيضاً الثقة بالمؤسسات، والمساواة أمام القانون، وإمكانية الاعتراض السلمي على القرارات والسياسات العامة.

وإذا كان هدف الحكومة هو حصر السلاح بيد الدولة، فإن شرعية هذا الهدف تتعزز بالتطبيق العادل للقانون، وشفافية الإجراءات، وإتاحة النقاش بشأن آليات التنفيذ وضماناته، لا بخلط الاعتراض على القرار بالتحريض على العنف.

كما أن توجيه المؤسسات الحكومية بصورة عامة إلى تحريك الشكاوى بشأن فئات من الخطاب الإعلامي يستدعي الحذر من أثره الردعي؛ إذ قد يدفع الصحفيين والمواطنين إلى الامتناع عن تناول قضايا المصلحة العامة خوفاً من الملاحقة، حتى عندما لا يكون خطابهم مجرّماً.

ومن هنا، فإن الاعتراض على مضمون البيان لا يعني رفض مساءلة من يحرض فعلياً على العنف، بل رفض أي تطبيق يوسع دائرة التجريم لتشمل النقد السياسي أو يجعل معارضة سياسات الحكومة موضع اشتباه.

أخيرا .. لا لمكافحة الإرهاب على حساب الدستور

إننا نرفض المنهج الذي قد يحوّل مكافحة الإرهاب من وسيلة لحماية المجتمع إلى مدخل لتضييق حرية التعبير، أو يجعل من قرارات السلطة التنفيذية مجالاً محصناً من النقد والمساءلة.

فالدولة لا تختزل بالحكومة، والوطنية لا تقاس بمدى الاتفاق مع قراراتها، والاعتراض السلمي لا يساوي الخروج على القانون. كما أن حصر السلاح بيد الدولة لا يبرر حصر حرية التعبير في حدود ما تقبله السلطة.

إن المطلوب هو تفسير دقيق للنصوص الجزائية، ومساءلة تستند إلى أفعال محددة وأدلة، وضمانات قضائية عادلة، وتطبيق القانون على الجميع من دون انتقائية، مع حماية الصحافة والنقاش السياسي من الملاحقات التي لا تتوافر فيها عناصر الجريمة.

فالدولة القوية هي التي تواجه العنف بالقانون، لا التي تواجه النقد بالاشتباه. والحكومة الواثقة من شرعيتها لا تحتاج إلى تحصين قراراتها من النقاش العام.

إن الأمن والحرية ليسا نقيضين؛ بل إن الأمن المستدام لا يتحقق من دون احترام الحقوق، والديمقراطية لا تستقيم إذا أصبح نقد السلطة مخاطرة قانونية.

لا لتجريم المعارضة السلمية، ولا لتوسيع قوانين مكافحة الإرهاب على حساب الدستور. نعم لدولة القانون التي تحمي المجتمع من العنف، وتحمي المواطن في الوقت نفسه من تعسف السلطة.